زكريا القزويني
231
آثار البلاد واخبار العباد
أن زوجة الأمير في نكاح القاتل ، وأخذ دار الأمير غصبا جعلها مسجدا ، فلمّا سلّم رآه الأمير فعرفه فله قتله وأخذ منكوحته منه ، وجلد الذين شهدوا زورا ، وردّ المسجد دارا كما كانت . فقال الرشيد : للّه درّك يا ابن إدريس ما أفطنك ! وأمر له بألف دينار وخلعة ، فخرج الشافعي من مجلس الخليفة يفرّق الدنانير في الطريق قبضة قبضة ، فلمّا انتهى إلى منزله لم يبق معه إلّا قبضة واحدة أعطاها لغلامه . وحكى أبو عبد اللّه نصر المروزي قال : كنت قاعدا في مسجد رسول اللّه ، عليه السلام ، إذ أغفيت إغفاءة فرأيت رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، في المنام فقلت له : اكتب يا رسول اللّه رأي أبي حنيفة ؟ قال : لا ! قلت : اكتب رأي مالك ؟ قال : اكتب ما وافق حديثي ! قلت : اكتب رأي الشافعي ؟ طأطأ رأسه شبه الغضبان وقال : هو ردّ على من خالف سنّتي ! فخرجت في إثر هذه الرؤيا إلى مصر وكتبت كتب الشافعي . وقال الربيع بن سليمان : قال لي الشافعي : رضى الناس غاية لا تدرك ، فعليك بما يصلحك فإنّه لا سبيل إلى رضاهم . واعلم أن من تعلّم القرآن جلّ عند الناس ، ومن تعلّم الحديث قويت حجّته ، ومن تعلّم النحو هيب ، ومن تعلّم العربيّة رقّ طبعه ، ومن تعلّم الحساب جزل رأيه ، ومن تعلّم الفقه نبل قدره ، ومن لم يصن لم ينفعه علمه ، وملاك ذلك كلّه التقوى . قال محمّد بن المنصور : قرأت في كتاب طاهر بن محمّد النيسابوري بخطّ الشافعي : إنّ امرأ وجد اليسار فلم يصب * حمدا ولا شكرا لغير موفّق الجدّ يدني كلّ شيء شاسع * والجدّ يفتح كلّ باب مغلق وإذا سمعت بأنّ مجدودا حوى * عودا فأثمر في يديه فصدّق وإذا سمعت بأنّ محروما أتى * ماء ليشربه فغاض فحقّق